الطبراني
188
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وكان فرعون يجمع بين الرّجلين على الإناء الواحد ؛ القبطيّ والإسرائيليّ ، فيكون مما يلي الإسرائيليّ ماء ، ومما يلي القبطيّ دم ، وكانا يستقيان من جرّة واحدة ، فيخرج للإسرائيليّ ماء عذب زلال صافي ، ويخرج للقبطي دم عبيط . وكان النيل ماؤه طيّبا ، فإذا أخذه القبطيّ عاد في إنائه وفي فمه دما . فمكثوا على هذا سبعة أيام لا يشربون إلا الدّم ؛ حتى مات كثير منهم ، ثم إن فرعون أجهده العطش واشتدّ به ، فيأتون بأوراق الأشجار الرطبة ، فيمصّها فتصير دما عبيطا وملحا أجاجا ، فكانوا لا يأكلون إلا الدّم ، ولا يشربون إلا الدم ، فقال فرعون : أقسم بإلهك يا موسى ! لئن كشفت عنا الدّم لنؤمننّ لك . فدعا موسى ربّه ، فأذهب عنهم الدم ، وعذب ماؤهم ، فعادوا لكفرهم إلى أن كان من أمر الغرق ما كان . « 1 » قوله تعالى : آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ؛ أي دلالات واضحات بعضها منفصل من بعض ، كلّ آية من السّبت إلى السبت ، وبين كلّ آيتين شهر . قوله تعالى : فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) ؛ أي مقيمين على كفرهم ، فمكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات . قوله تعالى : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ؛ معناه : ولمّا وقع عليهم العذاب الذي تقدّم ذكره من الطّوفان وغيره . وقال عكرمة : ( الرّجز : الدّم ؛ لأنّه نغّص عيشهم ) . وقال ابن جبير : ( هو الطّاعون ) . وذلك أنّ موسى أرى قومه وبني إسرائيل من بعد ما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس : الطوفان وغيره ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ، فأرسل عليهم الطاعون ، فهلك منهم سبعون ألفا ، فقال فرعون عند ذلك : ( يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ) أي بما تقدم به إليك أنه يجيب دعاءك إذا دعوته كما أجاب دعاءك في إنزال هذه الآيات ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ ؛ أي هذا الطاعون . وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد : ( الرّجز ) وهما لغتان كالعصو والعصو . قوله تعالى : لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ؛ أي لنصدّقنّك ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) ؛ أي لنطلقنّهم من التسخير والأعمال الشاقّة .
--> ( 1 ) أخرج الطبري هذه المأثورات في ( 11659 - 11673 ) .